آخر العناوين

صالح نوح…من علماني في البرلمان إلى ” استشهادي في الجهاد “

badbadoمقديشو (م.ش.إ) – لم تعد الأذهان تحتمل على صدق ما جرى ولم تعد الأفهام تستوعب صورة ما حصل;  خبر غير مألوف تنقله وسائل الإعلام، صانعه: عضو سابق في البرلمان الصومالي وشخصية سياسية عملت مع الحكومات السابقة للبلاد يضيف اسمه إلى قائمة “استشهاديي” حركة الشباب المجاهدين بعد أن أخرجته قاتلا حين انتهى بأيديهم “تائبا” قبل ستة أعوام.

فقد بث الإعلام الرسمي للحركة المتمثل بإذاعة الأندلس تقريرا عن الرجل مرفقا فيه مقابلة أجرتها معه قبيل تنفيذ عمليته، وقد بدا الرجل هادئا وبصوته الرفيع يدافع وينتقد، يدعو ويحذر، يكشف ويفضح، فهو بلاشك قد سعى إلى عمليته راضية بها نفسه ساعية بها شخصه، يحمل مبرره ولا يبالي منتقده.

صالح نوح إسماعيل، 57 عاما، ينحدر من الشمال الصومالي، حيث ترعرع فيها وتعلم حتى انضم للحكومة الشيوعية بقيادة محمد سياد بري، فنتيجة لطموحاته السياسية وقع في أسر الحكومة العسكرية حتى تم طرده من العمل ضمن دوائرها، وعاد إلى الحياة كاتبا وباحثا ينشر أفكاره وأرءاه من خلال ذالك.

ففي بداية الألفية انضم إلى أول حكومة متخبة للصومال بعد سقوط حكومة سياد بري بقيادة الدكتور عبد القاسم صلاد حسن حيث أصبح عضوا في برلمان حكومة “عَرتي” التي وضعت لبناتها الأساسية على ثرى جيبوتي، البلد المجاور والشقيق للصومال.

فنزل مع تلك الحكومة مقديشو، وقد كان سياسيا ناقدا، كيثر الظهور في الإعلام المحلي.

فبعد انهيار حكومة “عَرتي” اتجه إلى كينيا فأصبح عضوا في حكومة “إمبغاتي” التي بنيت على أنقاض “حكومة عرتي” في الأراضي الكينية، وقد ترأس عليها الرئيس الراحل عبد الله يوسف أحمد.

ففي تلك الفترة ذاع صيته وانتشر خبره، فقد كان ينتقد أخطاء الحكومة بشدة ولا يخفي ميله نحو رفض التدخل الأجنبي في البلاد خاصة من الدول المجاورة، حتى كان ذالك الأمر نقطة التحول لمسار حياته وتاريخه.

بعد العزو الإثيوبي للصومال عام 2006، تحول السياسي صالح إلى معارض يرفض ذالك التدخل ويدعو إلى سحب القوات الإثيوبية سريعا لأن الشعب الصومالي لا يقبل الوجود الإثيوبي. لقد كان ذالك الرأي سائد في داخل البرلمان وقتها، حتى أن رئيس البرلمان شريف حسن شيخ كان ضمن المعارضين وخرج عن البلاد باعتبارها محتلة من قبل الإثيوبيين.

ففي بداية 2009 جاءت حكومة شريف شيخ أحمد لتضع البلسم على الجرح وترفع الملام عن الحكومة الانتقالية، فتغيرت الأشكال في القصر الرئاسي لكن السياسة لم تتغير كثيرا. فحين كان الإثيوبيون يخرجون كان الأوغنديون يتدفقون في البلاد كأنهم على استعداد لاستلام البلاد منهم ويستمروا في مهمتم من قتل للأبرياء وقصف للأحياء، كما كانت مقديشو شاهدة على ذالك.

فكما قال السياسي صالح نوح، لقد انتهج الأوغنديون نهج سلفهم ولم تعد في خروج الإثيوبيين منفعة كما لم يغير وجود الأوغنديين شيئا، مما دفعه إلى الاستمرار في سياسة الانتقاد ورفض قتل المدنيين بحجة استهداف المسلحين، حتى انتفض فأقال نفسه بصورة نهائية حين جاوز الخط الفاصل بين الحكومة والمعارضة داخل مقديشو، قائلا إنني تائب إلى الله.

وفي مؤتمر صحفي عقده للإعلام بعد خروجه من الحكومة صرح أنه لم يستسلم لا إلى الحزب الإسلامي ( جماعة مسحلة اتحدت مع حركة الشباب) ولا إلى حركة الشباب، لكنه عاد إلى الله مشددا أن صبره نفذ نتيجة “المجاز الوحشية” التي ترتكبها القوات الإفريقية بحق الآمنين من أهالي مقديشو.

مرحلة غسل اليدين عن السياسة

نتيجة لتأثير بعض أقاربه داخل حركة الشباب المجاهدين أو لأسباب أخرى، جعل نفسه تحت تصرفها لتتسلم مشروعه حتى يدخل الإسلام من جديد باعتباره مرتدا حسب أدبيات الجماعات الجهادية، وترتيب المراحل الأخرى حتى يتمكن من اندماجه مع الشعب الصومالي خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة مقاتلي الحركة.

وحسب مصادر موثوقة، فإن لجنة الدعوة للحركة بذلت فيه جهدا كبيرا واهتمت به بشكل ملفت حتى تم تسجيله ضمن الطلاب الشرعيين في المعهد المعروف بالعلوم الشرعية المسمى بمعهد عبد الله عزام.

فتعلم الدين ورضع من لبان شيوخ الحركة حتى ظل عاما كاملا لا يفارق المكان و شغله الشاغل العلم والتعلم.

بعد أن شارف على الانتهاء وحسن سلوكه وقوي عوده انتقل إلى العيش كشخص عادي في مناطق الحركة حتى اختارته اللجنة الدعوية مؤخرا عضوا مهما فيها يكون ضمن الدعاة المشرفين على المشاريع التعليمية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة.

التوجه السلفي الجهادي

فكما كان دوره بارزا في أيام عضويته في البرلمان، وجد أيضا نفس الدور البارز في أيامه مع الحركة حين أتيح له التصدر في الإعلام الرسمي للحركة، محللا للسياسة تارة ومفسرا لخفايا المؤتمرات تارات، فاعتاده الناس بتوجهه الجديد داعيا ومحرضا يدعو إلى التوحيد والجهاد ويحكم على الحكومة الصومالية بالكفر والردة.

فقد ظهر لأول مرة منذ سطوع نجمه كجهادي في 2013 حين شارك في حفل ختام لطلاب شرعيين وقد كان ضمن اللجنة المسؤولة عن المشروع، كما صرحه مسؤولون في الحركة.

إضافة إلى نشاطه في الدعوة، فقد ملأ الفراغ في فهم سياسات الحكومات الموجودة في الصومال حيث كان المرجع في كشف الستار عن المآرب السياسية التي تكون وراء القرارات المعلنة للحكومة وداعيمها واضعا الأمر بلا غبش أمام جمهور الشعب الصومالي.

فمن أجل ذالك اكتسب شخصية محترمة داخل أوساط الجهاديين كما اكتسب عداوة جامحة من قبل الحكومة الصومالية الحالية برئاسة حسن شيخ محمود، لكن ما كان في قابل الأيام كان لهم أشد.

آلة قاتلة بيد الحركة

ففي صباح اليوم الثلاثاء، انطلقت سيارتان محملتان بالمواد المتفجرة، كعادتها نحو الأهداف الحكومية والأجنبية في العاصمة مقديشو، فانفجرتا على مواقع في قاعدة حلني –أكبر قاعدة للقوات الإفريقية في الصومال- التي تعتبر مقرا للعمليات العسكرية والمكاتب السياسية الدولية إضافة إلى القواعد السرية للمخابرات العالمية.

لم يكن الغريب في العملية ولا في هدفها ولا في توقيتها، فقد تمكنت الحركة مرات عديدة في اختراق التحصيانات المحاطة بالقاعدة ولا يستبعد أن تتمكن من مرات قادمة، لكن مربط الفرس أن سياسيا بارزا نال عضوية المجلس التشريعي للبلاد كان أحد المقاتليْن الاثنين الذين فجرا نفسيهما في المكان!

الخسارة هذه المرة ليست بأعداد القتلى والجرحى، لكن بنجاح فكر أمام فكر وتحويل شخصية سياسية بارزة إلى آلة قاتلة لتستهدف الحكومة الصومالية التي كانت تنتمي إليها يوما.

كيف نجحت دعوة الحركة إلى هذا الحد؟ وكيف أثروا بفكرهم ذاك السياسي العجوز؟ كيف تم تحويله إلى جهادي حتى لو اقتنع أنه عاد مسلما؟ وفي النهاية كيف صار آلة خطيرة تبطش بها الحركة أعداءها؟ كلها أسئلة خلفتها عمليته وهي الآن تناقش في أروقة المخابرات العالمية والحكومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*